ابن كثير

289

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي على بصيرة ويقين من أمر اللّه ودينه بما أنزل في كتابه من الهدى والعلم ، وبما جبله اللّه عليه من الفطرة المستقيمة ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أي ليس هذا كهذا ، كقوله تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرعد : 19 ] وكقوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [ الحشر : 20 ] ثم قال عز وجل مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قال عكرمة مَثَلُ الْجَنَّةِ أي نعتها فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما والحسن وقتادة : يعني غير متغير « 1 » . وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني : غير منتن ، والعرب تقول : أسن الماء إذ تغير ريحه ، وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم : غير آسن يعني الصافي الذي لا كدر فيه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد اللّه بن مرة ، عن مسروق قال : قال عبد اللّه رضي اللّه عنه : أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك . وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة ، وفي حديث مرفوع « لم يخرج من ضروع الماشية » وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ [ الصافات : 47 ] لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [ الواقعة : 19 ] بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ الصافات : 46 ] وفي حديث مرفوع « لم يعصرها الرجال بأقدامهم » وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح . وفي حديث مرفوع « لم يخرج من بطون النحل » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ، ثم تشقق الأنهار منها بعد » ورواه الترمذي « 3 » في صفة الجنة عن محمد بن بشار عن يزيد بن هارون ، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال : حسن صحيح . وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم ، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن النعمان ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي ، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد اللّه بن قيس عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هذه الأنهار تشخب « 4 » من جنة عدن

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 11 / 313 - 314 . ( 2 ) المسند 5 / 5 . ( 3 ) كتاب صفة الجنة باب 27 . ( 4 ) تشخب : تسيل .